عبد الملك الجويني

368

الشامل في أصول الدين

قطعا أنه لا يقوم من لا يستطيع القيام ، ولا ينظم الخط الحسن من لا يحسن الكتابة ، ولا يبني البناء البديع غير عالم به ، وكل ما دل شاهدا فهو يدل غائبا . إذ من طريق الجمع بين الشاهد والغائب الدليل . وهذه الطريقة تضاهي طريقة الاستشهاد بالبناء والباني [ على ] إثبات المحدث الصانع ، وقد قدمنا فيه قولا مقنعا . واختلف الأئمة في إثبات كون الصانع حيا . فصار معظمهم إلى أن الطريق في ذلك تقدير إثبات في كونه عالما قادرا ، ثم يترتب على ذلك العلم بكونه حيا ، إذ لا يصح عالم قادر غير متصف بكونه حيا . وطريق طرد الدلالة على هذا المنهج السبر المتقدم . وذلك أنا وجدنا الموجودات تنقسم إلى ما لا يصح اتصافه بكونه عالما قادرا ، وإلى ما يصح ذلك فيه . ثم لا يصحح السبر صفة يقع بها الميز بين القبيلين إلا الحياة . ولا معنى لبسط القول في الواضح البيّن . قال القاضي : إن سلكت طريق الاستدلال ، فلا امتناع في أن قول الدال على كون الصانع حيا وجود الفعل منه . فإنه كما يستحيل تقدير فعل من غير قادر ، فكذلك يستحيل تقديره من غير حي . فالفعل إذا يدل - إذا كان محكما - على أن كون الفاعل حيا عالما قادرا . ولا حاجة بنا في طريق الاستدلال إلى التوصل إلى إثبات كون الفاعل حيا ، بدرجة تقدم ورتبة تسبق . ثم قال ، رضي اللّه عنه : لست أنكر إمكان الوصول إلى العلم بكون الفاعل حيا من الوجه الذي ذكره الأصحاب . فاجتمع في إثبات ذلك وجهان : أحدهما الاستدلال بنفس الفعل ، والثاني الاستدلال بالقدرة والعلم اللذين يدل عليهما الفعل . فهذه طريق الاستدلال . فأما طريق ادعاء الضرورة ، وهي المرضية ، فنوضح وجهها ثم نبين أنه لا بد للأولين من التمسك بها ، فنقول : قد ثبت في صدر الكتاب ، حدث المعالم ، وثبت أنه لم يحدث موجبا عن علة ومتولدا عن طبيعة . وأوضحنا أن لو قدرنا صدور العالم عن طبيعة موجبة ، لاستحال اختصاص الحدث بوقت دون الوقت ، إذ إيجاب الطبيعة ، لو قدر ثبوتها جدلا ، في وقت كإيجابها في غيره . فإذا بطل كون العالم موجبا عن علة ، ومتولدا عن طبيعة ، واتضح وقوعه جائزا على اتساق وابتداء من غير إيجاب ، ثم كان مع ذلك ، متخصصا بالإحكام والإتقان ، وحسن الانتظام ، وضروب البدائع التي يحار عقول أرباب الألباب في أدناها ، وتقصر عن درك قصاراها ، فلا يستريب العاقل ، إذا نظر في ملكوت السماوات والأرض وسبق اعتقاده إلى بطلان الطبع ، فوقوع العالم منشئا جائزا في أن العالم لا يحدثه إلا حي قادر عالم . وأوضح ذلك - رضي اللّه عنه - بأن قال : إذا ذكر للعاقل أن الموتى يفعلون ويرتبون أفعالهم ، أو ذكر له أن العاجز الجاهل يفعل ما يفعله القادر العالم ، ابتدر إلى العلم ببطلان